المكتبة والانترنت
بواسطة , 04-08-2010 عند 01:55 AM (822 المشاهدات)
ان المكتبة " هي تلك المؤسسة الثقافية الاجتماعية التي تعمل على خدمة أهداف ومبادئ المجتمع وزيادة ثقافته وترقية حصيلته الحضارية مع حفظ المواد للأجيال القادمة وتنظيمها تنظيما يمكن الإفادة منها".
وانطلاقا من هذا المفهوم تعمل المكتبة على خلق وتهيئة جيل واعٍ مثقف يتسلح بالعلم والمعرفة الحديثة في التفكير والتحليل والتفسير فضلا عن تنمية وتطوير مقدرته العقلية على المقارنة والربط، ومن أجل خلق جيل واعي وقادر على التأمل والتحليل والنقد والتفكير العلمي السليم، وذلك عن طريق تكوين وتدريب الإنسان منذ نعومة أظفاره على استخدام المكتبة والتعرف على مفاتيح المعرفة، وتعويده على التفكير لا الحفظ فقط وتنمية قدراته القرائية، وتعويده على القراءة النقدية التي هي أكثر أنماط القراءة تقدما، وتنطوي على عمليتين فكريتين هما الفهم والتقدير.
كما أنها تتطلب القدرة على تحليل وتقييم ما يتضمنه " الكتاب او المقالة...الخ " من حقائق وأفكار، والقراءة النقدية عنصر أساسي في نشاط البحث العلمي في مرحلة التخطيط والدراسة. ولا يمكن ربط الأفكار النظرية والخبرات والوصول إلي أوجه القوة ونواحي الضعف في النص المقروء إلا بعد استيعاب النص، وبذلك تتفجر الطاقات الكامنة من أجل الوصول المستقل إلي أوعية المعلومات التي يحتاجها في تعزيز المنهج التعليمي، ويكون ذلك بالاستغناء عن طرق التعليم التقليدية السلبية إلي التعليم الحديث الاستقلالي الإيجابي تحت إشراف وتوجيه المعلم، وبذلك ينفتح الذهن على ما أنتجته الإنسانية من علم وفن وأدب في كل مجال من مجالات الإنتاج الفكري.
وفي هذا الإطار يتم تدريب الجيل على فهم ما يقرأه ويستوعبه بطريقة تمكنه من فهم الأحداث وتحليلها وتفسيرها التفسير الصحيح، مع تدريبه على اكتساب قدرات ومهارات فكرية تمكنه من مواكبة التطورات التقنية الحديثة، من اجل ممارسته مستقبلا لحريته المسؤولة القائمة على المعرفة والوعي من خلال السيطرة على المعلومات كقوة وفهمها واستيعابها وهي التي تؤدى به وبوطنه إلي البناء والتميز لا الحرية القائمة على الجهـل والغفلـة التي تؤدى به وبوطنه إلي الضياع والضعف والهوان.
خصوصا وان النصف الثاني من القرن العشرين تزايد فيه حجم المعلومات المنتجة سنويا في العالم نتيجة لتطور أساليب وطرق الطباعة وظهور التقنية الحديثة واستخدامها في النشر، الى حد أضحى يفوق الإمكانيات البشرية اللازمة لاستيعاب هذه المعلومات وتحليلها وفهمها والإفادة منها، ووجد العالم نفسه أمام فيضان من المعلومات المتمثلة بالفكر المنتج (العلمي والأدبي) الضخم، وبالملايين من الحقائق والمعطيات والإحصاءات والأرقام التي تظهر يومياً في شكل كتب وبحوث ودراسات منشورة في الدوريات وتقارير وإحصائيات...الخ من أوعية المعلومات والتي يمكن الإفادة منها في شتى مجالات الحياة. وأمام هذا التحدي الكبير كان لابد من البحث عن أساليب ووسائل جديدة تساعد في التعامل مع هذا الحجم الهائل من المعلومات وتمكن من تنظيمها بحيث يتم الوصول إليها واستخدامها بسهولة وسرعة.
وتعتبر الحواسيب من أهم إنجازات التقنية الحديثة فقد أتاحت هذه التقنية إمكانية تخزين ومعالجة كميات كبيرة جداً من المعلومات والمعرفة واسترجاع وبث المعلومات بسرعة هائلة جداً وبتكلفة معقولة، وانه لم يمض زمن طويل حتى أصبحت الحواسيب أداة أساسية من أدوات العمل الفكري والإداري في مختلف الميادين، حيث أصبحت أداة رئيسية وفعالة في إنجاز وتطوير العديد من الأنشطة الوظيفية، لذلك استعملت الحواسيب على سبيل المثال لا الحصر في المصارف والمستشفيات والتعليم والطباعة والنشر والمكتبات ومراكز المعلومات ومجالات عديدة أخرى، حتى أصبح اليوم لا يوجد من ليس لديه تصور عن كيفية استخدامه الحاسوب في إنجاز أعماله اليومية، فهو أداة فعالة للحياة والعمل في الألفية الثالثة.
وقد استخدمت الحواسيب من بين استخداماتها في مجال المكتبات ومراكز المعلومات من اجل تبسيط وتسريع القيام بمختلف الإجراءات الفنية ( التزويد والفهرسة والتصنيف والتكشيف والاستخلاص..الخ ) التي كانت تتم يدوياً ونتيجة لبطئها لا تتمكن المكتبة من تهيئة السيل العارم من أوعية المعلومات في الوقت المناسب، إضافة الى ان استخدام الحواسيب من شأنه تسهيل تقديم خدمات المعلومات مرضيه للمستفيدين (على مختلف مستوياتهم) بأسرع ووقت واقل جهد، وتأتي من بين أهم تلك الخدمات المعلوماتية ( الإحاطة الجارية، البث الانتقائي للمعلومات )، لذلك فإن استخدام الحاسوب يرفع من إمكانيات المكتبة في تقديم خدمات أكثر كماً وأحسن نوعاً، ويؤدى الى زيادة الفاعلية وتنوع الخدمات المعلوماتية مما يؤدى الى زيادة الإقبال على طلب المعلومات، وتتحوّل المكتبة من مركز ثقافي قليل الأهمية الى مركز ثقافي ذي أهمية كبيرة في مجال البحث العلمي وعمليتي التعليم والتعلم، وبذلك تصبح مركزاً ثقافياً مهماً في المجتمع وتتحقق رسالتها التى وجدت من اجلها.
وعندما بدأت الشركات المنتجة للحواسيب في السبعينيات بتصنيع حواسيب مصغرة قادرة على التعامل مع أعداد كبيرة من المستفيدين على أساس مبدأ تقاسم الوقت، بدأت شبكات المعلومات في الظهور خصوصا دمج تقنيات الاتصالات والحواسيب الأمر الذي أدى ازدهارها حيث أصبحت مع حلولا الثمانينات ظاهرة من الظواهر الملحة التى اقتضت ظروف العصر الاستفادة منها واستخدامها في المكتبات ومختلف مرافق المعلومات، ويعني مصطلح الشبكة في أبسط معانيها وصورها هي اى تنظيم يكفل انسياب الحركة في الاتجاهين بين أكثر من موقعين من خلال اعتمادها على تقنية المعلومات من حواسيب وملحقاتها لتمكن المكتبات من الاتصال مع بعضها البعض إلكترونيا عن بعد وتوصل المعلومات وتسهيل مهمة الإفادة من المقتنيات او أوعية معلوماتها، وان إدخال تقنيات الاتصالات الحديثة في مجال المكتبات والمعلومات ساعد على وجود علاقات قوية بين مختلف المكتبات ومرافق المعلومات سواء كانت داخل البلد الواحد أم خارجه، وكذلك أعطت شبكات المعلومات القدرة على استرجاع المعلومات بسرعة ودقة فائقة ونشر خدماتها الى مناطق واسعة، كذلك إتاحة تقنية وسائل الاتصال الحديثة وصول مختلف فئات المستفيدين الى المعلومات مباشرة وبطرق متعددة.
وما ساعد على انتشار الشبكات المعلومات المحلية وصولا إلى شبكة المعلومات الدولية "الانترنت" التي يعود تاريخ نشأتها ابتداء من 1969 لجهود جهاز مشروعات البحث المتطور بوزارة الدفاع الأمريكية في تأسيس شبكة مكونه من حوالي مئة حاسوب في السبعينيات وسميت بشبكة جهاز مشروعات البحث المتطور (آربانت) ومروراً بمراحل تطورها في الثمانينات حيث تغير الاسم الى جهاز مشروعات بحوث الدفاع المتطورة، وبدأ في إتاحتها لبعض القطاعات العامة واستخدامها في مجالات التعليم والبحث العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها انتقلت هذه التقنيات الى شتى أنحاء العالم، ومع حلول منتصف التسعينات بدأت كثير من الدول في وضع الاستراتيجيات والسياسات وتحديد الآليات اللازمة للاستفادة منها نظراً لمساهمتها في رفع معدلات التنمية والتقدم، خصوصا مع ظهور وانتشار الألياف البصرية الذي أدى الى حدوث طفرات ملحوظة في مجال الاتصالات وتبادل وتراسل المعلومات عبر المحيطات والقارات.
وان كل تلك التطورات المتلاحقة في مجال تقنيات المعلومات والاتصالات واستخدام شبكات المعلومات في أغراض البحث العلمي وإفادة الباحثين قد ساعدت على تحول او انتقال المكتبة التقليدية التي تحتوى على مواد مطبوعة من كتب ودوريات وموسوعات..الخ او شبه التقليدية "المحوسبة" التى استخدمت الأنظمة المكتبية الآلية في الإجراءات الفنية، الى مكتبة رقمية تحفظ جميع أو اغلب مقتنياتها في مصغرات فيلمية او أقراص مدمجة "الوسائط متعددة"، بحيث تكون مكمله أو بديل للمواد المطبوعة. والتعجيل بتحقيق المكتبة الافتراضية التي يتم فيها معالجة المعلومات وتخزينها واسترجاعها بالطرق الالكترونية الحديثة وهي تعتمد على مبدأ المشاركة والتعاون حيث يمكن للباحث الإفادة من المكتبة وزيارتها عن بعد دون الوصول إليها والبحث عن المعلومات المرغوب بها والإطلاع عليها والاستفادة من جميع مقتنياتها في أي وقت من الأوقات وفي أي مكان بالعالم وذلك عبر الشبكة المعلومات الدولية " الانترنت".
وان توفير خدمات المعلومات على الانترنت عن طريق موقع المكتبة على الشبكة كتقديم خدمة البحث المباشر بفهارس المكتبة وقواعد المعلومات وخدمة الإحاطة الجارية وغيرها من الخدمات له فوائد جمة تعود على المكتبة والمستفيد معا، منها على سبيل المثال لا الحصر اختزال المسافات وإلغاء بعض الحواجز المكانية والزمانية واختصار أوقات الذهاب والإياب بالنسبة للمستفيد، وهذا من وجهة نظر المستفيد أمراً مهماً في حال أمكن تقديم هذه الخدمات من خلال موقع المكتبة على الانترنت، كذلك تأكيد التزام المكتبة تجاه المستفيد في تقديم خدمات معلومات متميزة ترقى الى مستوى الجودة في الخدمات المطلوبة، أيضا الاقتصاد في التكلفة من حيث الوقت والجهد والمال المبذول من قبل العاملين في المكتبة، إضافة الى استخدام طرق ووسائل تقنية حديثة للتواصل والحوار بين المستفيد والمكتبي أو أخصائي المعلومات.
ويتبين مما سبق ذكره ضرورة العمل على استخدام الحواسيب وتوفير كافة التجهيزات التقنية اللازمة بكافة مكتبات الجماهيرية وعلى وجه التحديد (العامة والمدرسية والجامعية) من اجل تحويلها من مكتبات تقليدية وشبه تقليدية الى مكتبات رقمية في الوقت الحاضر على الأقل وان يكون في كل حاسوب مكتبة بدلا من حاسوب في كل مكتبة لكي لا تفقد المكتبات رسالتها وجوهر وجودها كمؤسسات ثقافية تربوية تعليمية أكاديمية بالمجتمع، فعن طريق استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات والاشتراك في الانترنت والعمل على محو الأمية المعلوماتية بتدريب وتأهيل الكوادر العاملة بها بشكل مستمر على مدى الحياة، وعمل قوانين لحماية حقوق الطبع والحماية الفكرية، ونتمكن من تحقيق فكرة المكتبات الافتراضية كأحد مؤسسات مجتمع المعلومات المستقبلي.




د. حنان بيزان




إرسال المقال إلى البريد
نائف